وجع راس

قصة قصيرة _ مهند الخالد
أخي الطيب … وأنت تؤرقني من مجموعته القصصية ساعات الليل

متلعثماً … راح يكرّر على مسامعه :
_ دكتور .. أني جيت لعندك .. شايف كيف.. أني وخيّي خالد .. شايف كيف .. أكيد بتعرفو جنابك .. يعني من شي عشرين يوم تقريباً شايف ….
_ نعم .. نعم … سامعك كمّل.. كمّل .. وظل منكباً على مكتبه ، منهمكاً بأوراق بدت هامة جداً لدرجة أن «أبو محمد» قطع حديثه فجأة .. سحب من جيبه الأيمن منديله المزركش .. مرّره فوق جبينه وأرنبة أنفه .. مسح رقبته .. ، ثم دسّه بلا اكتراث في جيبٍ آخر .. تنحنح قليلاً .. وتابع :
_ دكتور إذا عطّلتك عن شي ؟؟ لا تواخذني بالله ..لأنو أني جيت لعندك قبل .. أني و خيّي .. بتعرفو يمكن .. خالد .. عندكن بالمشفى .. شايف كيف ..

وفيما فضاء العيادة يمتص لهاثه، كان الدكتور أيمن يبدّل الأوراق أمامه بأخرى مبعثرة على الطاولة ، مدّ يده إلى أحد الأدراج .. أخرج آلة حاسبة .. ثبت نظارته جيداً .. التفت نحوه .. قال :
_ هم … آه … خالد طبيب متمرّن .. بالقلبية .. آه .. كأني بعرفو .. المهم .. شو كانت مشكلتك يومها .. أخي أبو أحمد ؟؟؟؟

بدا القيظ الشديد داخل الغرفة كأنشوطة حول عنق « أبو محمد» .. تلاحقت أنفاسه .. وضمَّخ العرق رأسه الحليق .. فتّش عن منديله .. سحبه .. مرره بسرعة حول عنقه .. جفّف حول عينيه ، نقل عكازيه من حضنه وأسندها إلى كرسيّ بجانبه .. افترَّت شفتاه عن ابتسامة خفيفة ، وبنبرة خافتة بدأ من جديد :
_ يمكن .. يعني .. العفو منك دكتور .. يمكن ما عرفتني .. من شي عشرين يوم تقريباً .. كنت دايخ شوي هيك ..شايف كيف .. وجينا لعند جنابك .. كان معي خالد يعني شايف .. هو مش دكتور ..هو موظف عندكن بالمشفى .. عالكفاءة .. وقلّك شايف .. قلّك عن الدّوخة .. آه .. وكان بدّا عملية .. و…

لكن انشغال الطبيب أتاح له الوقت ليراجع الموقف ، فكّر « معقول ما بيعرفو ؟! لا .. لا… يمكن هالحسابات شغلت بالو شويّ .. يا أخي هذا حكيم .. بيعمل خمسين عملية باليوم .. طيّب .. طيّب… «

_ حكيم .. من بعد خاطرك تحمّلني شوي .. أني صار معي حادث بسيط هيك.. حادث موتور .. خاص بحالتي يعني .. شايف كيف .. حتى اللّي جابو خالد نفسو يعني .. شايف .. ومعارفو . .. هنّ اللّي دبّروها عالحدود يعني .. آه المهم .. عملنا بعدها عملية تفريغ مي من الراس .. وكان خالد موجود يعني .. شايف كيف دكتور ..
_ آه .. آه… تذكرت .. السيد خالد رئيس التمريض ..
_ لا .. لا.. يمكنك مشغول شويّ يا حكيم .. خالد …
_ آه… آه… تذكرتو طبعاً .. آه… وبعدين .. كمّل .. كمّل

قاطعه الطبيب وهو يسحب أحد الأدراج .. يخرج منه رزمة من الأوراق .. يرتّبها بسرعة .. ثم ينضّد الأوراق بين يديه .. يرزمها ويغرق في ترتيب الباقي المبعثر فوق الطاولة.

_ دكتور خيّي خالد .. عندكن .. شايف .. بالمطبخ .. أكيد بتعرفو..أسمر شوي صاير .. آ نعم .. المهم ..اشترالي موتور خصّ نصّ للمعوقين .. شايف .. فعملت حادث بسيط وصار معي نزف بالراس .. والزّلمي صوّرني وقلّي بدّي عملية .. يعني من شي عشرين يوم تقريباً ..

قطع حديثه وهو يفكّ ياقة القميص .. مرّر منديله الرطب أسفل العنق .. فكر « والله هالغرفة مثل النار .. كيف متحمّل حالو هالحكيم « بس لازم يتذكّرو .. مش معقول .. يعني .. زميلو بالعمل ..وبعدين الواسطة مليحة كمان … هاي عملية بالراس مش لعبة …. «

لملم الطبيب حيرته حين رزم آخر الأوراق أمامه ، فتح دفتراً ودون فيه شيئاً ما بسرعة ، ودسّه في أحد الأدراج .

_ دكتور .. طيّب .. إذا بدّك .. شايف .. اتصل في .. يعني بيقلّك ..
وقبل أن ينهي أبو محمد كلامه .. طفت الحيرة على وجه الطبيب ،وعبق بينهما صمت وارتباك .. قال الطبيب :
_ اتصل بمين عفواً ؟؟؟!!!
_ ها؟؟؟ بخالد .. يعني لازم يكون بالدوام شايف كيف .. يعني بدك تعدّل تسعين بالميّة ..

كفّ فجأة عن الحديث .. وغرق في الذهول حين سأله الحكيم :
_ مين خالد ؟؟ والله ما انتبهت عالحديث.
3/7/20006

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.