سجين شاهد على عملية تحرير سجن غرز

النقيب طلال الخلف لضوضاء: استولينا على السجن من الداخل واقتحمه الحر من الخارج

بعد أشهر من الحصار، ومحاولات عدة لاقتحامه والسيطرة عليه، تمكن مقاتلو الجيش الحر من السيطرة على سجن غرز المركزي، جنوب بلدة النعيمة بريف درعا الشرقي، الأربعاء 19 آذار 2014، عقب اشتباكات مع قوات النظام في محيط السجن ومنطقة الصوامع، وأسفرت السيطرة على السجن عن تحرير السجناء السياسيين، وإحالة السجناء الجنائيين إلى المحكمة الشرعية بدرعا. 

ضوضاء التقت النقيب طلال الخلف، قائد لواء درع اللجاة، الذي كان معتقلاً في سجن غرز، وكان أحد الفاعلين في عملية السيطرة على السجن، وشاهداً على الأحداث التي دارت داخل جدرانه. 

سجن غرز

سجن غرز

بداية، من هو طلال الخلف قبل بدء الثورة السورية و أثناءها؟

ولدت في محافظة درعا بقرية جدل الواقعة في منطقة اللجاة عام 1982، أحمل رتبة نقيب، كنت قائد سرية النقل في مطار دير الزور العسكري، وضابط أمن الوحدة وضابط أمان أرضي، متزوج ولدي ولدان.

استشهد اثنان من إخوتي خلال الثورة، وهما الشهيدان صفوان وصقر الخلف، استشهد صفوان في معارك بصر الحرير، في حين استشهد صقر في معركة الترعة عند مدخل اللجاة.

كنا نشعر بالاستياء قبل الثورة، بسبب المعاملة القائمة على التمييز في الجيش بيننا وبين الضباط المنحدرين من الطائفة العلوية، وخلال خدمتي في مطار دير الزور، لاحظت حركة التشيّع التي كان النظام يشجع الناس عليها، مستغلاً عنصري الجهل والفقر، لذا كنت أحاول محاربة هذه الظاهرة منذ أن كنت على رأس عملي، واعتقلت بعد فترة على بدء الثورة السورية.

ما هو سبب اعتقالك؟ وما هي تفاصيل ما حدث معك حينها؟

قبل بدء الثورة كنا نتابع ما يدور في مصر وليبيا، ونتطلع لبدء الحراك في سوريا، ومنذ الخامس عشر من آذار بدأت مع ضباط آخرين في مطار دير الزور العسكري الاستعداد، وتواصلنا مع آخرين في لواء التأمين الإلكتروني الثالث واللواء 137، إضافة إلى لواء الدفاع الجوي، وكان هناك تنسيق بيننا وبين ضباط شرطة وتنسيقيات مدنية، عملت حينها ضابط ارتباط بين هذه الألوية والتنسيقيات.

كان معنا قائد سرية المشاة في اللواء 137، النقيب باسل عبد القادر البيد، استدعي للتحقيق من قبل رئيس فرع الأمن العسكري بدير الزور (جامع جامع)، ونتيجة التحقيق ذكر اسمي على أني ضابط الارتباط بين المجموعات المذكورة.

صدرت أوامر بالقبض علي، واعتقلت في مدينة دير الزور نهاية حزيران 2011، من قبل عناصر فرع المخابرات الجوية مكافحة الإرهاب، ونقلت إلى فرع المخابرات الجوية في المزة بدمشق.

الصوامع/ ريف درعا منطقة غرز

الصوامع/ ريف درعا منطقة غرز

ماذا حدث في الفترة التي سبقت نقلك إلى المزة؟ وهل كان هناك تعذيب في الأشهر الأولى للثورة؟

تعرضنا للتعذيب والإهانة في شعبة المخابرات، ووجهت إلي كثير من التهم، منها: محاولة السيطرة على مطار دير الزور ومستودعات عياش للذخيرة، وتصفية ضباط علويين، والاتصال مع الشيخ العرعور والشيخ نواف البشير، وغيرها كثير من التهم لم أعد أتذكرها جميعاً.

في الفرع 293 حقق معنا اللواء رفيق شحادة رئيس الفرع، واللواء عماد ميهوب ورائد لا أتذكر اسمه، كان التحقيق قاسياً وتعرضنا خلاله للضرب والإهانة، استمر شهرين ويومين، أمضيتها في زنزانة منفردة.

سجن غرز

سجن غرز

كيف وصلت إلى سجن غرز لاحقاً؟

تم تحويلي إلى الفرع 248 وبقيت فيه خمسة عشر يوماً، نقلت بعدها إلى فرع الشرطة العسكرية بالقابون، حيث تم تقديمنا إلى محكمة الميدان، ووجهت إلي التهم التي ذكرتها سابقاً، وصدر بحقي حكم بالسجن مدة 13 سنة، إضافة إلى الطرد من الجيش والحجر والعزل والتجريد، بعدها حولوني إلى سجن صيدنايا العسكري، بتاريخ 6 أيلول 2011.

في صيدنايا، رأيت بأم عيني ما كنت أسمع عنه حول الممارسات التي يقوم بها النظام منذ الثمانينات، وضعوني في البناء الأحمر، وأمضيت قرابة السنة فيه، لم أرَ خلالها وجه عسكري، حيث كانوا يلبسوننا عصابات سوداء على أعيننا ويقيدوننا عند الانتقال من مكان إلى مكان، عانينا البرد والجوع والتعذيب الممنهج، وكنا أحياناً عشرين سجيناً في المهجع يعطوننا ملعقة رز فقط، ثم تم تحويلي إلى سجن غرز في آب 2012، بعد أن بصمت على طردي من الجيش.

هل عرفتم عن إعدامات ميدانية كانت تتم في صيدنايا؟ وهل كنتم تتواصلون مع السجناء في البناء الأبيض؟

كنا نسمع أنّ هناك غرفة إعدام في البناء الأبيض، لكن لم يكن لدينا أي سبل للتواصل، لم نكن نعرف ما الذي يحدث في الخارج، ولم نرَ الشمس في صيدنايا، كنا في غرف مغلقة في بناء فولاذي، أبوابه وجدرانه وكل شيء فيه من حديد.

بالعودة إلى سجن غرز، ما الذي تغير بعد انتقالك إليه؟

في سجن غرز وضعونا في المنفردات، بعدها نقلنا إلى قسم العزل، أمضيت في العزل شهرين، قبل أن ينقلونا إلى الأجنحة، وضعونا في الجناح التاسع، كنا 21 شخصاً تم نقلنا من سجن صيدنايا إلى سجن غرز، بيننا عسكريان آخران غيري، وضعنا جميعاً مع المحكومين بجرائم قتل.

هنا كان التحرك والتواصل مع الخارج أسهل من سجن صيدنايا، فتواصلت مع عائلتي ومع مقاتلين من الجيش الحر، عرفت أنّ درعا مقسمة إلى قطاعات، وتواصلت مع قادة الجيش الحر المسؤولين عن قطاع غرز.

قبل تحرير السجن في آذار 2014 قمنا بمحاولة لتحريره قبل سنة تقريباً، حيث نفذنا استعصاءاً بالتنسيق مع الجيش الحر، وكان يفترض أن يقتحم مقاتلو «الحر» السجن خلال الاستعصاء، فنسيطر نحن من الداخل بينما يسيطرون من الخارج، وبالفعل نفذنا الخطة وتمكنا من القبض على رئيس الفرع المقدم عدنان الحسن وعدد من الضباط والعناصر، وأجبرت رئيس الفرع على إعطاء أوامر للحرس بالاستسلام وعدم إطلاق النار على الجيش الحر.

إلاّ أن التعزيزات التي وصلت قوات النظام من منطقة الصوامع والمخابرات الجوية، دفعت بمقاتلي الجيش الحر إلى الانسحاب، فاستعادت قوات النظام السيطرة على السجن، وأسفرت الحادثة عن تسليم المسؤولين عن الاستعصاء للجنة تحقيق حكمت علينا بالسجن في المنفردات ستة أشهر، عانينا خلالها كل أشكال التعذيب والتجويع، أمضيت فترة حكمي وأعادوني بعدها إلى المهاجع.

سرية حفظ النظام/ ريف درعا

سرية حفظ النظام/ ريف درعا

كيف كانت الفترة التي تلت الاستعصاء؟

زادت الحراسة والتدقيق علينا وأصبح تأمين وسائل الاتصال أصعب بكثير، إلاّ أنني وبمساعدة آخرين استطعت تأمين قنوات اتصال مع الجيش الحر مجدداً، وفي الأثناء كان عدد كبير من ضباط السجن يرسلون إلي خفية، يطلبون مني تأمين حياتهم فيما لو سقط السجن، وذلك أنني خلال الاستعصاء فاوضت الرهائن الذين أمسكنا بهم على حفظ حياتهم مقابل التسليم.

في يوم اقتحام السجن جاءني أحد الأشخاص الذين كنا نعمل معاً وأخبرني أنّ قوات النظام انسحبت إلى منطقة الصوامع، فقمنا بمساعدة عناصر من السجن بالاستيلاء على السجن من الداخل، وفتحنا طريقاً عبر القبو إلى السور، وكان هناك باب في السور تمكنا من فتحه، عندها تواصلت مع سرية من الجيش الحر وعرفت عن نفسي، بينما جمعنا المساجين في الساحة قرب السور، وأخبرنا مقاتلي «الحر» أننا أمنا طريقاً للخروج، فحضر عدد منهم وأخلوا السجناء.

تعرضنا لإطلاق نار خلال الإخلاء من جهة الصوامع، وسقط عدد من الجرحى وقتل أربعة من مقاتلي الجيش الحر، وبعد الخروج أطلق سراح السجناء السياسيين بينما أحيل السجناء الجنائيون إلى الهيئة الشرعية للنظر في أمرهم.

طوال الفترة التي أمضيتها في السجن سواء في صيدنايا أو في غرز، ما هي أهم المحطات التي مرت بها الثورة، وكيف كنتم تتفاعلون معها؟

سمعنا أخباراً عن أن مناطق في ريف دمشق تعرضت لقصف بالسلاح الكيمائي مثلاً، وغيرها من المجازر التي كان النظام يرتكبها، لكن لم يكن من السهل وصول الأخبار إلينا، خاصة في مرحلة سجن صيدنايا.

لكن أكثر ما فاجأني هو وضع الجيش الحر، فبعد ثلاث سنوات من الثورة توقعت أن يكون أكثر تنظيماً وقوة، وأن يكون حقق درجة جيدة من الانضباط والهيكلية، وصدمني الواقع، يلزمنا الكثير من العمل للوصول إلى ما يفترض بالجيش الحر أن يكون عليه.

سرية حفظ النظام/ ريف درعا

سرية حفظ النظام/ ريف درعا

اليوم أين يجد النقيب طلال الخلف نفسه؟ وكيف ينظر إلى الثورة؟

أتابع اليوم العمل مع الجيش الحر، بعد تحرير السجن أعدت هيكلة لواء درع اللجاة وأنا قائده الآن، موقفي من الثورة لم يتبدل، كما ذكرت لدي أخوان شهيدان، أحضرت بدلة صفوان وبندقيته، ألبس بدلته وأقاتل ببندقيته، ولن أخلعهما قبل سقوط هذا النظام.

هل تلمح خطر التطرف في درعا وما هو موقفكم من المتطرفين؟

توصلنا إلى قناعة أنّ تنظيم «داعش» أداة وقوة تابعة للنظام، لذلك لن نسمح بدخوله إلى درعا، دخوله درعا يعني عودة النظام إليها، وحتى الآن ليس في درعا متطرفين ولن نسمح بوجودهم.

 فريق تحرير ضوضاء

 

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.